ابن شعبة الحراني

355

تحف العقول عن آل الرسول ( ص )

خرج الثفل من بطنه ( 1 ) ولولا الروح لا جاء ولا ذهب . ولولا برد الماء لأحرقته نار المعدة . ولولا النور ما أبصر ولا عقل . والطين صورته . والعظم في جسده بمنزلة الشجر في الأرض . والشعر في جسده بمنزلة الحشيش في الأرض . والعصب في جسده بمنزلة اللحاء على الشجر ( 2 ) . والدم في جسده بمنزلة الماء في الأرض . ولا قوام للأرض إلا بالماء ولا قوام لجسد الانسان إلا بالدم . والمخ دسم الدم وزبده . فهكذا الانسان خلق من شأن الدنيا وشأن الآخرة فإذا جمع الله بينهما صارت حياته في الأرض ، لأنه نزل من شأن السماء إلى الدنيا ، فإذا فرق الله بينهما صارت تلك الفرقة الموت يرد شأن الآخرة إلى السماء . فالحياة في الأرض والموت في السماء وذلك أنه يفرق بين الروح والجسد ، فردت الروح والنور إلى القدرة الأولى وترك الجسد لأنه من شأن الدنيا . وإنما فسد الجسد في الدنيا لان الريح تنشف الماء ( 3 ) فيبس الطين فيصير رفاتا ويبلى ويرد كل إلى جوهره الأول وتحركت الروح بالنفس والنفس حركتها من الريح ، فما كان من نفس المؤمن فهو نور مؤيد بالعقل . وما كان من نفس الكافر فهو نار مؤيد بالنكراء ( 4 ) ، فهذا من صورة ناره وهذا من صورة نوره والموت رحمة من الله لعبده المؤمن ونقمة على الكافر . ولله عقوبتان إحداهما من الروح والأخرى تسليط الناس بعض على بعض ، فما كان من قبل الروح فهو السقم والفقر . وما كان من تسليط فهو النقمة وذلك قول الله عز وجل : " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ( 5 ) " من الذنوب . فما كان من ذنب الروح فعقوبته بذلك السقم والفقر . وما كان من تسليط فهو النقمة . وكل ذلك

--> ( 1 ) الثفل - بالضم - : حثالة الشئ وهي ما يستقر في أسفل الشئ من كدرة والمراد هنا : النجاسة والعذرة . ( 2 ) اللحاء - بالكسر - : قشر العود أو الشجر . ( 3 ) نشف الماء : أخذه من مكانه وتنشف الثوب العرق : شربه . ( 4 ) النكراء : الدهاء والفطنة بالمنكر والشيطنة . ( 5 ) سورة الأنعام آية 129 .